عثمان بن جني ( ابن جني )
94
الخصائص
باب القول على أصل اللغة إلهام " 1 " هي أم اصطلاح ؟ هذا موضع محوج إلى فضل تأمل ؛ غير أن أكثر أهل النظر على أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح ، لا وحى ( وتوقيف ) . إلا أن أبا علىّ رحمه اللّه ، قال لي يوما : هي من عند اللّه ، واحتجّ بقوله سبحانه : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها [ البقرة : 31 ] وهذا لا يتناول موضع الخلاف . وذلك أنه قد يجوز أن يكون تأويله : أقدر آدم على أن واضع عليها ؛ وهذا المعنى من عند اللّه سبحانه لا محالة . فإذا كان ذلك محتملا غير مستنكر سقط الاستدلال به . وقد كان أبو علىّ رحمه اللّه أيضا قال " 2 " به في بعض كلامه . وهذا أيضا رأى أبى الحسن ؛ على أنه " 3 " لم يمنع قول من قال : إنها تواضع منه " 4 " . على أنه قد فسّر هذا بأن قيل : إن اللّه سبحانه علم آدم أسماء جميع المخلوقات ، بجميع اللغات : العربية ، والفارسية ، والسريانية والعبرانية ، والرومية ، وغير ذلك من سائر اللغات ؛ فكان آدم وولده يتكلمون بها ، ثم إنّ ولده تفرقوا في الدنيا ، وعلق كل منهم بلغة من تلك اللغات ، فغلبت عليه ، واضمحلّ عنه ما سواها ؛ لبعد عهدهم بها . وإذا كان الخبر الصحيح قد ورد بهذا وجب تلقّيه باعتقاده ، والانطواء على القول به . فإن قيل : فاللغة فيها أسماء ، وأفعال ، وحروف ؛ وليس يجوز أن يكون المعلّم من ذلك الأسماء دون غيرها : مما ليس بأسماء ، فكيف خصّ الأسماء وحدها ؟
--> ( 1 ) في الأصل ( إلهام ) بغير همزة استفهام . وفي المطبوع جعلها الأستاذ النجار ( أإلهام ) بهمزة استفهام ولا حاجة إليه ؛ إذ الكلام يستقيم بدون زيادتها ، فالسياق دال على الاستفهام ، وقد أجاز الأخفش حذف الهمزة في مثل هذا الموضع إذا كان في الكلام ما يدل عليه . ( 2 ) أي بالقول بالتواضع والاصطلاح . ( 3 ) أي أبا الحسن ، وهو الأخفش ، وحاصل هذا أن أبا على وأبا الحسن قالا بالرأيين ، وقد صرح بهذا في ج ففيها بعد ذكر القولين : " وكلا الأمرين أجازه أبو الحسن وأبو علي " . والتوقيف رأى الأشعري ، والاصطلاح رأى المعتزلة . ( نجار ) . ( 4 ) كأن الضمير يعود على آدم ، وقد سبق ذكره في قوله : " أقدر آدم على أن واضع عليها " .